وهبة الزحيلي

75

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

حرصه فيه ، فكان ما فعل اللّه لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه ، وإلى استقرار أعينهن بما يسمح به لهن ، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن ، تطييبا لقلوبهن ، كما قدّمنا ، ويقول فيما رواه النسائي وأبو داود عن عائشة رضي اللّه عنها : « اللهم هذه قدرتي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ، يعني ميل قلبه ، لإيثاره عائشة رضي اللّه عنها ، دون أن يكون ذلك ظاهرا في شيء من فعله . وكان في مرضه الذي توفي فيه يطاف به محمولا على بيوت أزواجه ، إلى أن استأذنهن أن يقيم في بيت عائشة . أخرج البخاري في صحيحة عن عائشة قالت : « أول ما اشتكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيت ميمونة ، فاستأذن أزواجه أن يمرّض في بيتها - يعني بيت عائشة - فأذنّ له » و في الصحيح أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : إن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليتفقد ، يقول : « أين أنا اليوم ، أين أنا غدا ؟ » استبطاء ليوم عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : فلما كان يومي قبضه اللّه بين سحري ونحري « 1 » ، صلّى اللّه عليه وسلّم . 6 - على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة ، ولا يسقط حق الزوجة مرضها ولا حيضها ، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها . وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته ، إلا أن يعجز عن الحركة ، فيقيم حيث غلب عليه المرض ، فإذا صح استأنف القسم . والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء ، وأما السراري فلا قسم بينهن وبين الحرائر . روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من كانت له امرأتان ، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل » .

--> ( 1 ) أي بين جنبي وصدري . والسحر : الرئة ، أطلق على الجنب مجازا ، من باب تسمية المحل باسم الحال فيه ، والنحر : الصدر .